محمود سالم محمد
68
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
إنّي تفرّست فيك الخير أعرفه * واللّه يعلم أن ما خانني البصر أنت النّبيّ ومن يحرم شفاعته * يوم الحساب فقد أزرى به القدر فثبّت اللّه ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا « 1 » إن مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته جاء ما بين الإشادة بخصاله الكريمة ، على عادة شعراء المدح آنذاك وبين الإشادة بهدايته ونبوّته ، وكل شاعر مدحه حسب موقفه من الإسلام ، فالشعراء الذين قصدوا الرسول الكريم مثل شعراء الرفود ، ولم يكونوا يعرفون الكثير عن الإسلام والنبوة ، ولكن تناهى إلى أسماعهم صفاته العظيمة وأعماله الميمونة ، توجهوا إليه بالمدح على طريقتهم التي اعتادوها في مخاطبة ساداتهم ، أما الشعراء المسلمون الذين صاحبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتملّك الإيمان قلوبهم ، وعرفوا مكانة الرسول الدينية ، فإنهم مدحوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما عرفوا عنه في دينهم السامي ، ولذلك نجد من مدحه بالقيم الاجتماعية التقليدية فقط ، ونجد من مدحه بالقيم الدينية فقط ، ونجد من مزج بينها ، فشاعر مثل مالك بن عوف « 2 » اليربوعي سمع عن الرسول الكريم ومكانته وصفاته وأعماله ، فمدحه بذلك وبكرمه ، وذكر مقدرة الرسول العظيمة على التنبّؤ بالغيب ، بدهشة وبساطة ، وهذا يظهر أنه حين قال هذا الشعر لم يكن على دراية بالإسلام وموقع الرسول فيه : ما إن رأيت ولا سمعت بواحد * في النّاس كلّهم بمثل محمّد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى * وإذا يشأ يخبرك عمّا في غد ومنهم من وجد في النبي الكريم ما تحدثت عنه أخبار الأوائل والرسل السابقين عليهم السلام ، وهذه أمور دينية محضة ، مثل كليب بن أسد الحضرمي « 3 » الذي قال :
--> ( 1 ) ديوان عبد اللّه بن رواحة ص 144 . ( 2 ) مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع ، صحابي ، قاد هوازن لحرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم أسلم وشهد القادسية وفتح دمشق ، كان شاعرا رفيع القدر في قومه ، توفي نحو ( 20 ه ) . ابن حجر : الإصابة 6 / 31 . ( 3 ) كليب بن أسد بن كليب الحضرمي ، صحابي من شعراء حضرموت ، مخضرم ، مدح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فمسح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بيده وجهه ، وكان ذلك من مفاخر ذريته . توفي نحو ( 43 ه ) . ابن حجر : الإصابة 5 / 312 .